تسجيل الدخول
النسخة القديمة
مقال د سعود النايف

انحراف العقول مقصلة التنمية


   تسعى المملكة العربية السعودية منذ أن وضع لبناتها الأولى المؤسس الفذ جلالة الملك عبد العزيز طيب الله ثراه , إلى تحقيق التنمية المستدامة والرقي والتقدم على كافة الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية والتقنية والتربوية من خلال  ملحمة رائعة بطلها الإنسان , وقد ظل من بعده أبنائه الملوك الذين تعاقبوا على حكم المملكة العربية السعودية حاملين للواء التنمية , باحثين عن أسباب دوامها واستقرارها .


وقد من الله على المملكة العربية السعودية وشعبها , بخيرات وفيرة  ترجمت على ايدي قادتها الميامين إلى مشروعات كبرى متعددة , ومبادرات هادفة رائدة واضحة للعيان شهد بها الواقع وسطرها التاريخ ، لكن عواصف العصر المفتعلة ومعوقاته التي استهدف بها امن واستقرار مجتمع المملكة بصورة مباشرة وغير مباشرة , أصبحت تلقي بمسؤوليات جسام جديدة تهدد بوضوح  إنسان المملكة العربية السعودية  ومسيرته الاقتصادية ونهضته وتنميته الاجتماعية والثقافية وحضارته الإسلامية بل عقيدته القائمة على التوحيد ومنهج الوسطية .


فحضارة المملكة العربية السعودية قائمة في أساسها على الإسلام , وشريعته السمحاء النقية التي تدعو مقاصدها  على حفظ الضرورات الخمس (الدين والنفس والمال والنسل والعقل) , لآحاد الأمة ومجموعها , وأطرت ذلك بأحكام وافية لحفظها وصيانتها وإنزال العقوبات بحق كل من يحاول امتهانها والتعدي عليها , لأن الأمة لا يمكن أن تحقق مقاصدها فى مختلف مجالات التنمية , إذا هددت هذه الضرورات الخمس وأصبح الإنسان خائفا فاقدا لنعمة الأمن والطمأنينة حيث لا يأمن على نفسه وماله وعرضه وعقله فى مجتمعة , فالأمن مضمن فى القران الكريم متمثل فى   دعوة نبي الله إبراهيم عليه السلام حيث يقول تعالى عز وجل : ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (سورة البقرة الآية : 126)، وقال تعالى جل شأنه (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ) (سورة قريش الآية : 4) , , والإحساس بنعمة  الأمن يمثل حاجه إنسانية نفسية ضرورية إشباعها يترتب عليه الإحساس بالطمأنينة النفسية والاستقرار النفسي , ومن ثم تمكن الإنسان من الإنتاج والمساهمة الايجابية فى دفع عجلة التنمية وتحقيق أهدافها المرجوة , مما يعود بالنفع على المستوي الشخصي والجماعي , بينما الخوف يزعزع الاستقرار النفسي للفرد مما ينعكس سلبا  على مساهمته فى مختلف مجالات التنمية , فالخوف هو الصخرة التي تتكسر عليها مشاريع التنمية الشاملة .


وفى حقيقة الأمر أن أي خطة تنموية طموحة  بغض النظر عن عمرها الزمني المفترض ( خمسيه او عشرية او ..... الخ ) لا يمكن أن يكتب لها النجاح إذا لم يرافقها مناخ صحي يسوده الاستقرار ويساعد الأمة على اطلاق طاقاتها الخلاقة التي وهبها الله إياها واستثمار مواردها المختلفة، والأمن النفسي والاجتماعي يمثل العمود الفقري لذلك المناخ الصحي المنشود , ولنا في الدول التي زعزعت وهددت أمنها واستقرارها  الثورات والنزاعات السياسية  بسبب الانحرافات الفكرية والأطماع السياسية الشخصية فى السلطة المغلفة بأقنعة زائفة , خير مثل؛ فعلى الرغم من أن أراضيها تحوي كنوزا من الخيرات وتربة خصبة ومياه وفيرة إلا أنها لم تستطع استغلال وتوظيف تلك الموارد بكفاءة بسبب النزاعات والحروب الأهلية التي هددت أمنها واستقرارها وتماسكها الداخلي , فأصبحت فريسة للجهل والمرض والفقر ,  تستجدي العون من المنظمات الدولية التي تقدم خدماتها وفق أجندتها الخاصة .


ولا شك أن هذه الصراعات والحروب هي سلوك غير سوي لأفراد وجماعات تعتنق أفكارا غير عقلانية  شاذة عن إجماع الأمة ومنهجها القويم وترتبط بأجندات خارجية تستهدف ضرب وطمس الهوية الوطنية وكسر إرادتها وتدمير قدراتها الاقتصادية ونسيجها الاجتماعي .


        لذلك فإن الأمن الفكري والدعوة إلي تحقيقه والمحافظة علية احد المداخل العصرية الضرورية للوقاية من الصراعات والانقسامات الداخلية وتفكك نسيج اللحمة الوطنية , فالأمن الفكري اصبح داله ترتبط بالاستقرار المجتمعي فى كافة أصعدته الاقتصادية والثقافية والسياسية والتربوية .


ولذلك فإن الأمن الفكري  مطلب ضروري ينبغي أن ينال حقه من العناية في كافة مؤسسات المجتمع حماية لعقول ألأبناء من الاختراق وحماية للمؤسسات من الانحراف حتى يكون جسد الأمة صحيحا ومعافى وخاليا من العلل التي تعيق انطلاقته نحو غد أفضل يتحقق فيه الرفاه الاجتماعي لهذا الجيل والأجيال القادمة.


إن هنالك مجموعة من العوامل والمتغيرات تجعل الفكر السليم ينحرف عن مساره  المتسق مع الفطرة ولعل من أهم هذه العوامل  وجود أفراد وجماعات لديها خلل في المفاهيم التي لا تتسق مع مقاصد نصوص الشريعة  وأحكامها.


وقبل أن نعدد العوامل والمتغيرات المؤثرة على عقول النشئي والشباب يجدر بنا توضيح دلالات ومعاني العلاقة بين انحراف العقول وانجراف مستقبل تنمية الأمة إلى المصير السيئ ؟ ولكي نجيب على هذا السؤال وبعد أن أشرنا إلى مقاصد الشريعة وغاية الإسلام في تأسيس المفاهيم التي تؤدي إلى تماسك الأمة ورقيها يبرز السؤال المهم ، لماذا العقول ؟ ذلك لأنه ما من أمة أو وطن إلا وله أضلاع ثلاثة. ضلع يعبر عن أرض بحدود وضلع يعبر عن موارد وثروات والضلع الثالث هو الإنسان الذي يعمر هذه الأرض ويستثمر مخزونها من الموارد وهذا الإنسان هو العامل الأهم والأبرز والمكلف بتحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية لأنه يمتلك العقل .


فكيف يعمل هذا العقل وما هي محركاته الذهنية ؟ وما هي الصورة المتكاملة عن مفاهيم الحياة والعمل والانتماء؟ وما هي الصورة التي تضبط نظرته إلى وطنه؟ ومن أين يأتي بها ؟  في ظل عصر يحمل فيه الأثير الذي نتنفس هواؤه أفكارا تعبر كل الحدود وثقافات تتجاوز السياسة والاقتصاد والجغرافيا والبحار والمحيطات . من هنا يصبح الرهان الحاضر والمستقبل على العقول وما يسكنها من مفاهيم ومبادئ وقيم تحكم السلوك والتصرف.


ومن أراد الحفاظ والحرص على السياج الوطني ولحمته فعليه أن يفتش أولا عن مصادر الأفكار الضالة والمنحرفة وآلياتها وسبل انتشارها ليجفف منابعها ويقاوم اختطافها لشباب المجتمع السعودي ، وفي ذات الوقت وبنفس درجة الأهمية يسعى دوماً إلى البناء المفاهيمي السليم المدرك لتحديات العصر والمستوعب للمؤثرات المتجددة والمبدع في تأسيس البرامج التي تكوّن قناعات ذاتية داخل عقولنا لتكون مصدات ضد رياح اقتلاعنا , ومؤامرات تشويهنا وتقسيمنا وتخلفنا المقصود , ذلك هو المضمون الذي يجب أن تعمل على نشره وترجمته إلى تطبيقات كل الجهات والهيئات ذات الاختصاص ببناء البشر.


وإذا كانت معامل الفكر وصروح المعرفة معنية بتصحيح المغلوط من المفاهيم , فعلى الجانب الآخر ثمة من أعتنق وأيقن وانحرف ففجر ، تلك الفئة لا يصلح معها في ظل مشاهدات الواقع إلا الدور الملقى على عاتق أجهزتنا الأمنية التي كثرت تحدياتها وازدادت مسؤولياتها وأصبحت هي الحصن المنيع في حماية وطننا والحفاظ عليه.


إذن إذا أردنا وطن معافى تربويا واجتماعيا وثقافيا ومستقر سياسيا ومستنهض تنمويا ومتقدم اقتصاديا ومنافس حضاريا , يجب ان نجعل من الأمن الفكري وثقافته مشروع دولتنا الدعوي والإعلامي الراهن , وان نسخر له الإمكانات البشرية والمادية والمؤسسية, وان نواجه مقتضياته بكل وضوح وشفافية , لان ذلك يمثل استقرار حاضر ومستقبل أمه وأجيال متعاقية ستاتي من بعدنا .

 

الدكتور سعود بن عيسى النايف

أستاذ الإدارة التربوية المشارك

عميد شؤون الطلاب بجامعة حائل

عضو مجلس إدارة الأمن الفكري بالجامعة

جميع الحقوق محفوظة © جامعة حائل