تسجيل الدخول
النسخة القديمة
مقال د صلاح محمود الباجوري

 [ وهذا البلد الأمين ]

 

تحظى بلادُ الحرمين الشريفين  المملكة العربية السعودية - بمقامٍ كريمٍ في قلوب المؤمنين، أينما كانوا؛ فهي مهبِطُ الرسالةِ، ومتنزّلُ الوحي، ومَشْرِقُ النُّورِ، الذي عَمَّ بهداياته أرجاءَ الأرض.


ومن الخصائص المتفرِّدة لهذه البلاد، ما تتَّسِمُ به من (الأمن)، الذي جعله اللهُ - تعالى - لها وَصْفاً، ولمكانها عُنواناً.


و(الأمنُ) من نِعَمِ اللهِ، التي باتَ العالَمُ يدرِكُ قَدْرَها وأثرَها، في ظلِّ ما يُعانيه اليومَ من صراعاتٍ فكرية، وثوراتٍ دموية، وحروبٍ عسكرية، أفرزت ألواناً من الخوفِ، والجوعِ، ونَقْصٍ من الأموالِ والأنفُسِ والثمرات.


ولقد تحدَّث القرآنُ الكريمُ عن أمنِ هذه البلاد في ثماني آياتٍ بيِّناتٍ، بسياقاتٍ مختلفة:


* في آيةٍ أقسمَ الله - تعالى - بمكَّة، البلد الأمين. فقال: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} [التين: 1 - 3]


* وفي آيتين دَعَا لها خليلُ الرحمنِ إبراهيمُ u، مرَّةً قبل أن تكون بلداً {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة: 126]، والثانية بعد أن صارت بلداً {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم: 35].


* وفي خمسِ آياتٍ ذُكر الأمنُ - في البلدِ الحرام - على سبيلِ الامتنان، وبيانِ شَرَفِ المكان: قال تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} [البقرة: 125]، وقال تعالى: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران: 97]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا} [القصص: 57]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا} [العنكبوت: 67]، وقال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 3، 4].


فهذه ثمانية مواطن مِن كتاب الله - تعالى - فيها الإشادةُ بمكَّة، والإشارةُ إلى أَمْنِه؛ وفيها - أيضا - دلالةٌ - لمن تدبَّر - عَلَى أنَّ الأمنَ أوَّلُ مطلوبٍ بعد الإيمانِ بالله تعالى، في مكَّةَ، وفي غيرها من بقاع الأرض؛ ولا خيرَ في أرضٍ يكون فيها الأمنُ معدوماً؛ فبالأمنِ يرتفعُ عَلَمُ الإيمان، وتُحفظ الأوطانُ، وتُصانُ الأعراضُ، وتؤدَّى الأماناتُ، وتُردُّ المظالمُ؛ ويُنتصرُ للمظلومِ، ويُردَعُ الظالم.


وقد وُصفت (مكة) في كتاب الله - تعالى - بأنها {الْبَلَد الْأَمِين} [التين: 3]، و(الأمينُ) مِن حيثُ الدلالة تحتمل معنيين:


أولهما: أن تكون من (الأَمْنِ). ومكَّةُ هي البلدُ الآمِنُ، في الجاهليةِ والإسلام، "لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ"، كما أخبر المعصومُ، صلوات الله وسلامُه عليه.


والثاني: أن يكون من (الأمانة)، وأمانةُ هذا البلد أن يُحفظ مَن دخلَه، كما يَحفَظُ الأمينُ ما يُؤتَمَنُ عليه. وقد وُصِفَت مكَّة بـ (البلد الأمين)؛ لأنها مكانُ أداءِ الأمانة، وهي الرسالة.


فالرسالةُ أمانةٌ، نزل بها الرُّوحُ الأمين (جبريل u)، وأدَّاها إلى رسولٍ أمين (محمدٍ r)، في بلدٍ أمين (مكَّة).


وإذا كان هذا قَسَمُ اللهِ بـ {الْبَلَدِ الْأَمِينِ}، فإنه الأمنُ بمعناه الشامل (النفسي، والاجتماعي، الفكري، ....)، وهو كذلك – وعْدٌ من اللهِ، لا يتخلَّف، بأن تظلَّ هذه البلادُ آمنةً مطمئنةً.


فمهما أَزْبَدَ المغرضون، وأرعد المرْجِفون؛ لينالوا من أَمْنِ هذه البلاد السعوية المباركة ، أو يشيعوا حولها الأراجيف، فلسوف ترتدُّ سهامُهم إلى صُدورهم، ليظلَّ هذا البلدُ واحةَ أمنٍ وارفةٍ، يأوِي إليها الخائفُ، فيجد فيها الأمنَ، ويستجيرُ في ظلِّها الملهوفُ، فيلقى في رحابِها الغوث.


وقد وفَّق اللهُ - تعالى - حكومةَ هذه البلادِ المباركة - في القديم والحديث - إلى حَمْلِ أمانة هذا الدِّين، والحفاظِ على أَمْنِه، وأَمْنِ المقيمين والوافدين، بل وحتى المستجيرين، وإنَّ في عاصفةَ الحزم، والتحالفَ الإسلامي أوضح دليلٍ على العزمِ والحزم في مواجهة العدوان، وردّ الظلم.


ولا ننسى أنَّ عَلَى ثغورِ هذه البلد المبارك رجالٌ أشاوس، يقومون بواجبٍ عظيمٍ، تُبذل فيه الأرواحُ، وتُزهق النفوسُ، ألا وهو حراسةُ ثغورِ هذه البلاد، وحِفْظُ أمنها، وردُّ كيد أعدائها.


فلنكن جميعاً عيوناً ساهرةً على أَمْنِ بلاد الحرمين الشريفين، مُدركين المخاطرَ المحدِقةَ بها، مسؤولين عن كلِّ ما يحفظ لها عقيدتها وعزَّها ومكانتها ، عارفين لقادة هذه البلاد مكانتهم ونصرتهم للإسلام والمسلمين .


ولا ريب أنَّ قيام الأمور في بلاد الحرمين – المملكمة العربية السعودية - واستتباب أمنها، هو - في الحقيقة - أمنٌ للأمةِ كلها، واستقرارٌ لمجتمعاتها.


واللهَ أسألُ أن يحفظَ لهذه البلادِ قائدَ مسيرتها، خادمَ الحرمين الشريفين، وأن يُديم على المملكة وشعبها وقادتها  نعمةَ الأمن والاستقرار في ظلِّ قيادته الرشيدة.


في غيابِ الأمنِ الفِكريّ .. ماذا ننتَظِر ؟

 

الحمدُ لله، والصلاةُ والسَّلامُ عَلَى رسولِ الله، سيِّدنا محمدٍ .. صَلَّى اللهُ عليه، وعلى آلِه وصحبِه ومَن اهتدى بهداه. وبعــدُ ..

يحسَبُ البعضُ أنَّ الحديثَ عن (الأمنِ الفكريِّ) تَرَفٌ عقليٌّ، لا طائِلَ مِن ورائِه، ولا فائدةَ تُرْجَى مِن طَرْحِهِ.

وتلك نَظْرَةٌ قاصرةٌ، تُنْبِئُ عن ضَعْفٍ في الرؤية، وغَبَشٍ في الإدراك؛ ذلك أنَّ الأمنَ - بمفهومِه العام - حاجةٌ إنسانيةٌ، لا يستغني عنها مجتمعٌ يريدُ لنفسِه بقاءً، ولِشَعْبه رخاءً.

وللأمنِ الفكريّ - على وجهِ الخصوص - أهميتُه، التي باتَتْ تتنَامَي في ظلِّ الثورةِ المعلوماتيةِ، وما نَتَجَ عنها من تطوّرِ وسائلِ الاتصالِ، وسهولةِ انتقالِ الثقافاتِ والتَّأثُّر بها.

كما أنَّ ارتباطَ (الأمنِ الفكريِّ) بـالعقلِ- الذي هو مَنَاطُ التَّكليف، وأداةُ التَّمييز - يُعطِي للقضيةِ أبعاداً أخرى، وأهميةً قُصْوَى.

وإذا كانت هذه قيمةُ (الأمنِ الفكريّ) وأهميته، ففي غيابِ هذا النوعِ من الأمنِ حَدِّث - ولا حَرَجَ - عن الآثارِ المدمّرة، والأخطارِ المُحْدِقةِ، التي يمكن أن تصيبَ العبادَ، أَوْ تَحُلَّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ.

وفي هذه المقالة أُسلِّطُ الضوءَ عَلَى أربعةِ آثارٍ لغيابِ الأمن الفكري :


أولا : التنفير من الدِّين :

في غيابِ الأمنِ الفكري تطفو الأفكارُ المغلوطة، وتظهرُ العقائدُ المنحرفةُ، وتسودُ التصوراتُ الفاسدةُ، وعلى رأسِها (الغلوّ) الذي يُعدُّ من أخطر مظاهرِ الانحرافِ الفكريّ لَدَى كثيرٍ من الجماعات؛ فبالغلوِّ في الدِّين أُسقطتْ العِصمةُ عن الأفرادِ، ومن ثَمَّ استُبيحت دِماؤهم وأعراضُهم وأموالُهم وديارُهم !

وفي مثلِ هذه الأجواءِ يبتعدُ الناسُ عن الدِّين، وتتَّسع الفجوةُ بينهم وبينَ تعاليمِه، ويغدو الإسلامُ غريباً بين أهلِه، كما أخبر الصَّادقُ – صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه – حين قال : « بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا ... » [رواه مسلم]

وإذا كان الإسلامُ يُحكَمُ عليه – في الغالبِ - بسلوكِ أبنائِه والمنتسبين إليه، فإنَّ أمثالَ هذه الأفكار المنحرفة تُسهم –  بشكلٍ كبير - في تشويه الإسلام، وتنفيرِ الناسِ منه، بل وفَتْح الأبوابِ للطَّعن فيه، والتَّعدي على أصولِه. وما أكثرُ ما يُؤتى الإسلامُ مِن قِبَلِ الفكر الضَّال المنحرف.


ثانيا : شقّ عَصَا الطَّاعة :

لقد عُلم بالضرورة أنَّه (لا دينَ إلا بجماعةٍ، ولا جماعةَ إلاَّ بإمامةٍ، ولا إمامةَ إلاَّ بسمعٍ وطاعة).

ولذا حثَّ الإسلامُ على وجوبِ طاعةِ وُلاةِ الأمر بالمعروف؛ فبهذه الطاعةِ تُقام حُدودُ اللهِ، ويستقيمُ أمرُ الأمَّة، وتغدو آمنةً مطمئنةً. قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ... } [النساء: 59].

وجاء في السُّنةِ أنَّ الصحابة – رضي الله عنهم – بايعوا رسولَ اللهِ r (عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ). [متفق عليه]

وفي غيابِ (الأمن الفكري) أو اضطرابه تختل القِيمُ والمبادئ، وتتغيَّرُ القناعاتُ، ويقع الإنسانُ فريسةً للأفكارِ الضالة،  ويُصابُ بالغفلةِ عن أسبابِ النَّجاة - من الاعتصامِ بالدِّين، والرجوعِ إلى العلماء الراسخين، و لزومِ جماعة المؤمنين، وطاعة ولاةِ أمر المسلمين.. بل يذهل الإنسانُ – كذلك - عن العواقبِ الوخيمة الناجمة عن هَجْر الدِّين، وازدراء العلماء، وشق عصا الطاعة، ومفارقة الجماعة، وغيرها من الآثار التي تُؤْذِنُ بتفككِ المجتمع واختراقه.


ثالثا: شيوع العنف والإرهاب :

لا ريب أنَّ الفكرَ هو الركيزةُ الأساس للسلوكِ الإنساني، وكلَّما كان الفِكرُ متَّزناً، وملتزما بالقواعدِ الشرعية، والأعرافِ والنظم الاجتماعية، كان السلوكُ سوياً مستقيماً، فتُحفظ الدماءُ والأموالُ، وتُصان الأعراض والحُرمات، ويتحقق الأمنُ بكافة جوانبه.

أما إذا انحرف الفكرُ ، وخالف عقيدةَ المجتمعِ، وناقَضَ ثوابتَ الأمةِ، وقعت الفوضى، وعمَّ البلاء، وظهر الفسادُ في الأرض.

ومن أبرز هذه الانحرافات ارتكابُ الجرائم بشتَّى صورها .. كما أنَّ التعصبَ للجماعات والطوائف، - دون وعيٍ أو تمييز  - يؤدي إلى انتشار العنف والإرهاب. ومِن هنا وُصف (الإرهابُ) بأنه أحد إفرازات الفِكر المنحرف.

وإنما الميزان هو الكتاب والسنة ، وما سار عليه صحابة رسول الله – رضي الله عنهم – فما وافق ذلك قُبل ، وما خالفه رُدّ ، مهما كان قائله ، لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم )

ولا يخفى على عاقلٍ منصفٍ أنَّ الإرهاب ( الإجرام والإفساد ) صورةٌ من صُوَر البغي، ولَوْنٌ من ألوانِ العدوانِ الذي يمقُته الإسلامُ.


رابعا: إهدار طاقات الشباب :

لا شك أنَّ المحافظةَ على الشباب أمرٌ ذو بال، لا سيَّما في هذا الزمان، الذي فسدت فيه بعضُ المفاهيم, وامتلأت عقولٌ بلوثاتٍ فكريةٍ أضرَّت بالمجتمع, وشَطَتْ أفهامٌ بأصحابِها عن سواءِ السبيل، فأخلَّت بالأمنِ، وفرَّقت الجماعةَ، وشقَّت عَصَا الطاعةِ، وحملت على أهلها وبلدِها السلاح !

ثم إنَّ الشبابَ هم مقياسُ تقدُّم الأمم وتأخّرها، ومعيارُ رُقيها وانحطاطِها، وهم الاستثمارُ الحقيقي للأوطان، فصلاحُهم صلاحُ الوطنِ بكلِّ فئاته، وفسادُهم ضياعٌ لكل مقدَّراته ومكتسباته.

كما أنَّ الشباب طاقاتٌ وقُدرات، إنْ أُحسِنُ استكشافهم واستثمارهم، تدفَّقوا نفعاً وإنتاجا وإبداعا، وإن هم أُهملوا تلقَّفتهم أيدي الشيطان، وجعلت منهم أدوات للخراب والتدمير ، بدل البناء والتعمير.

وهذا يستدعي دورا ًكبيراً من المجتمع بشتَّى طبقاته وفئاته؛ لعلاج هذه الظاهرة، وحماية الشباب من خطرها، وتربيتهم على المنهج الحق، وهو منهجُ الوسطية والاعتدال، بلا إفراطٍ ولا تفريط، ولا غلو ولا جفاء. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [البقرة: 143].

أسأل اللهَ – تعالى - أن يُنوِّرَ بصائرنا بنُورِه الذي أشرقتْ له الظُّلمات، وأن يهديَنَا صراطَه المستقيم، وأن يجعلَنَا مخلِصينَ لَهُ الدِّين.

وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ عَلَى سيِّدنا محمدٍ، وعَلَى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.


د/ صلاح محمود الباجوري

عضو هيئة التدريس في جامعة حائل

جميع الحقوق محفوظة © جامعة حائل