تسجيل الدخول
النسخة القديمة
مقال د خلف الشغدلي

خطوات نحو تعزيز الأمن الفكري لَدَى الشباب

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره. لَهُ الحمدُ الحَسَن، وله الثَّناءُ الجميل. وأشهد ألاَّ إله إلا الله، وحده لا شريك له، يقولُ الحقَّ وهو يهدي السبيل. وأشهد أنَّ سيِّدنا محمداً عبدُه ورسولُه، الصَّادق الوعدِ الأمين.

صلَّى اللهُ عليه، وعلى أهل بيتِه الطَّيبين الطَّاهرين، وأزواجه أمَّهات المؤمنين، وأصحابِه أجمعين، والتَّابعين لهم بإحسان إلى يوم الدّين. وبعد،


فقد عُلم بالاستقراءِ أنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ الغرَّاءَ جاءت لتحقيقِ مصالح العباد في المعاشِ والمعاد، ومِن محاسن هذه الشريعةِ أنَّها جاءت بحِفظ "الأمن" للأفراد والمجتمعات والأمم، والعلاقةُ بين الإيمان والأمنِ علاقةُ تلازمٍ لا انفصالَ فيها، قال تعالى في كتابه العزيز : {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82].


ولا شكَّ أنَّ (الأمن الفكريّ) استقامةٌ في الاعتقاد، تثمر استقامة في السلوك، وأمنا في المجتمع.


والأمن الفكري لُبُّ الأمن وأساسه؛ ففي وجودِه تحفظُ الأمَّةُ هويتها، ويتحقَّق لها وَحدتها، وعند غياب هذا النوع من الأمن يختل بناءُ الأمة، وتُصاب بالوَهْنِ، وينال المجتمعَ الانحرافُ والخلل.


والأممُ إنما تُقَاسُ بعقولِ أبنائِها وفكرهم، فإذا سَلِمَت العقولُ من الانحراف، والفكر من التطرف، استقام الناس،  وتحقّق لهم الأمنُ في أجلَى صُورِه، وأسمَى معانيه، وإذا تلوَّثت الأفكارُ بعقائد باطلة، ومبادئَ وافدة، وثقافاتٍ منحرفة، جَاسَ الخوفُ خلال الديار. وصدق اللهُ القائل: { وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ } [النحل: 112]


وفي ظلِّ التحديات الراهنة والمخاطر  التي يواجهها العالَمُ بصفةٍ عامة، وبلادنا المباركة (المملكة العربية السعودية) بصفةٍ خاصة، لا بُدَّ أن ندرك جميعا مكمنَ الخطر، وأصل الداء؛ لنعرف الدواء؛ من أجلِ تحقيق "الأمن الفكريّ"، وترسيخه في النفوس والأوطان.


ومِن ثَمَّ  كانت هذا السطور، التي أردت أن أُسهم بها في هذا المعترك الخطير، والشأن الجليل.


وفي البداية أتساءل : ما هي سُبل تعزيز الأمن الفكري لَدى الشباب؟ ولماذا الشباب دُون غيرهم ؟!


من المسلَّمات أنه قد آن الوقت لمشاركة الشباب في بناءِ وطنهم، والذَّود عن حياضه، والحفاظ على مقدراته ومكتسباته؛ فالشبابُ – في كلِّ أمةٍ - هم عماد نَهضتها، ومَبعثُ حضارتها، وحاملُ رايتها.


ثُمّ إنَّ الشباب - ذكورًا وإناثًا – طاقاتٌ فاعلة، وهِممٌ عالية، إن لم يتم استثمارها على الوجه الصحيح، فهناك مَن يتربصُ بهم الدوائر؛ ليُغرِّر بهم ويدمِّر عقولهم، وفي النتيجة الخاسرُ هو (الوطن).


وفي محاولةٍ جادة نحو تعزيز الأمن الفكري لَدَى الشباب، أطرح الحلول الآتية :


أولا: ضرورة التركيز على البرامج الإرشادية، والتوعوية، التي تُعين الأُسرَ عَلى القيام بدورها في تحصين أبنائها، وتنشئتهم، والاهتمامِ بهم فكرًا، وخُلقًا، وعلمًا، ومهارةً، وسلوكًا؛ انطلاقاً من قول النبي r : "كلُّكم راعٍ، وكلُّكُم مسؤُولٌ عنْ رَعِيَّتِهِ" متفق عليه.


ثانيا: الرجوع إلى العلماء الراسخين :

ومن حكمةِ الله – تعالى – ورحمتِه أن اصطفى من الناس أئمةً في العِلم والصلاح، يهتدي بهم الناسُ في ظلماتِ الجهل والشُّبه والضَّلال، قال الإمام أحمد – رحمه الله - : "الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضالٍ تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم. ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، الذين عقدوا ألوية البدع، وأطلقوا عقال الفتنة، فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مفارقة الكتاب، يقولون على الله، وفي الله، وفي كتاب الله بغير علم، يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم، فنعوذ بالله من فتن الضالين".


ويقول الحسن – رحمه الله - : "الفتنة إذا أقبلت عرفها كلُّ عالمٍ، وإذا أدبرت عرفها كلُّ جاهل".


ولما كان العلماءُ بهذه المثابة، كان ولابدَّ مِن معرفةِ أقدارهم، وعِظم شأنهم في الخَلق، نفعاً ونُصحاً وتوجيهاً، خاصة أيام الفتن والمِحن.


وما حدث من وقوع بعض الشباب في الفتن، إنما هو بسبب تجاهلهم لأهل العلم الرَّاسخين فيه، ولا شكَّ أن هذا أمرٌ خطير يُنذر بشرٍّ عظيم؛ لأن الشباب إذا لم يصدروا عن أقوال العلماء الراسخين فسيصدرون عن أقوال الجهلاء، وأصحاب الأهواء! ولا يخفى خطر ذلك على البلاد والعباد.


كما أنَّ تزهيد الناسِ بالعلماء الرَّاسخين ينتج عنه الوقيعة بهم، والنيل من أعراضهم وأمانتهم، ومِن المتقرّر أنَّ "لحوم العلماء مسمومة، وعادةُ الله في هَتْك أستار منتقصيهم معلومة، وأنَّ مَن أطلق لسانه في العلماء بالثَّلب، ابتلاه اللهُ – تعالى - قبل موته بموتِ القلب".


ثالثا: نَشْرُ ثقافة الحوار :

وإذا أردنا لظلمات الشبهات أن تتبدد، وللقلوب أن تطمئن، وللعيش أن يهنأ ، وللبلاد أن تزدهر، وجب علينا أن نرعى ثقافة الحوار، الذي يشارك فيه الشباب.

والإسلام لا يخشى الحوار، فإن الله – تعالى – كتب لدينه الظهور بالحجة والبرهان، كما قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [الفتح: 28]


فالحوار يعكس حِسَّاً عالياً بمسؤولية الشباب تجاه وطنهم وأمتهم، ويُثبت مقدار ما يتمتعون به من وعي ومعرفة وإدراكٍ للظروف التي يمر بها، وأبعاد ما يحيط بوطنهم من مخاطر وتحديات‏ ومؤامرات. وهو إلى جانب ذلك عِصمةٌ من الوقوع في الزَّيغ والضلال والخطأ.


ولقد كان النبي r شفوقًا كريمًا، يسمع للشباب، ويشعر بمشاكلهم، حتى إنَّ أحد الشباب غلبته شهوتُه، وتنازع في نفسه الطهارةُ والإيمانُ مع رجز الشهوة المحرَّمة والشيطان؛ فلم يجد له مهرباً إلا أن يأتي رسول الله r يستأذنه فيما ظنَّه مخرجًا شرعيًا له، فإنْ أَذِنَ له رسولُ الله r في الزنا فقد أزاح عن نفسه هَمَّ المخالفة، وانتفى عنه الشعورُ بالإثم؛ فانظر كيف عالجه النبي r بالحوار العقلي العاطفي، وبالدعاء له - أيضًا - من غيرِ زجر، ولا قهرٍ، ولا سخرية.


عن أبي أمامة t قال : إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ r فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا. فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ، فَزَجَرُوهُ، وَقَالُوا: مَهْ. مَهْ. فَقَالَ r : (ادْنُهْ)، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا. قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: (أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟)، قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: (وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ). قَالَ: (أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟)، قَالَ: لا. وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: (وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ). قَالَ: (أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟). قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: (وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ). قَالَ: (أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟). قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: (وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ). قَالَ: (أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟). قَالَ: لا. وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ. قَالَ: (وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ). قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: (اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ). قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ". [رواه الإمام أحمد، وصحَّحه العلاَّمة الألباني]


رابعا: مواجهة سلبيات وسائل التواصل الاجتماعي:

فالشباب هم أكثر فئات المجتمع إقبالاً على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، وقد كشفت دراسة صادرة عن كرسي الأمير نايف بن عبدالعزيز -رحمه الله- للقِيم الأخلاقية، الآثارَ السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي عَلى السُّلَّم القِيمي للشباب السعودي، ولاحظت الدراسة اعتمادهم على هذه الشبكات كمصدر أساس للمعلومات، وخلصت إلى نتيجةٍ مفادها : أن الاهتزاز القيمي الذي أصاب شبابنا السعودي ناجم عن تعرضهم المكثَّف للإعلام الإلكتروني، والاستخدام الخاطئ له، وعدم وجود الوصاية الوالدية، وضعف المناعة الأخلاقية، ما ترك آثاراً سلبية على نفسياتهم وسلوكهم الاجتماعي والأخلاقي.


ومن هنا نرى أهمية تطوير وتفعيل الأنظمة الموجودة؛ لمحاسبة من يتجاوز الثوابت الدينية والوطنية، مع توعية الأسرة بأهمية التربية الدينية، وتربية الأبناء على الحياء من الله ومراقبته، وغرس الوازع الديني لحماية الشباب من أي انحراف، أو زيغ عقائدي.


خامسا: إشراك الشباب في استحداث خطط إبداعية مبتكرة، تناسب جيلهم وزمانَهم؛ لتعزيز الأمن الفكري، فالشباب ينبغي ألا يُهمَّش، أو يُحجَّم دوره؛ لأنهم أكثر وعيًا وحرصًا على مستقبلهم ومستقبل وطنهم.


ولقد أحسن "مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني" صنعًا، عندما استهدف ببرامجه فئة الشباب ليمكنهم من تأدية دورهم في مجتمعهم، وليتيح لهم فرصة التعبير عن الرأي؛ لإبراز جهودهم واستثمار طاقاتهم.


حفظ اللهُ المملكة العربية السعودية من كل سوء ومكروه، وأدام عليها نعمةَ الأمن والاستقرار والرخاء، في ظلِّ قائد مسيرتنا وإمامنا، خادم الحرمين الشريفين، وولي عهد الأمين، وولي ولي عهده، وفَّقهم اللهُ لما يحبُّ ويرضَى، ونسألُ اللهَ للجميعِ العِلمَ النَّافع والعملَ الصَّالح. وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمد، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.

 

د/خلف بن حمود الشغدلي

أستاذ الدراسات العليا بقسم الثقافة الإسلامية، بجامعة حائل

والمشرف العام لكرسي أبحاث المرأة وقضايا الحسبة

24/6/1437هـ

جميع الحقوق محفوظة © جامعة حائل