تسجيل الدخول
النسخة القديمة
مقال المحاضرة مزنة ظاهر الشمري

قرة الأعين


( ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) الفرقان /74   

ترتفع أصوات الأسر - نقصد الوالدين غالباً - وكذلك المعلمون والمربون بالشكوى من تنامي حالة التمرد والعناد لدى بعض الشباب وخروجهم عن المألوف بصور شتى .

ويلقى اللّوم كله على أولئك الشباب ذكوراً وإناثاً ، وكأنهم جنس غريب لا ينتمي لنا !

لا ينتمي لبيوتنا ولأهلنا ولمجتمعنا !!

أليسوا أبنائنا و بناتنا ؟ أليسوا طلاباً في مدارسنا ؟ أليسوا أفراداً ومواطنين في وطننا؟

معظمنا يقع في خطأ فادح في تعامله مع  الشباب ، فننتظر وقوع المشكلة لنبدأ بالسؤال والبحث والمناقشة .

لِمَ  لم نستمع لهم ونتحدث معهم  ونناقشهم ونحاورهم مسبقاً ودائماً كجزء أساس من التعامل اليومي معهم .

لِمَ  لا نشعرهم بالاحترام والتقدير قبل أن نطالبهم بذلك لنا.

لِمَ لا نلقاهم بالتقبل والقبول والتفهم والفهم بدلا من الإيحاء لهم بالرفض والصد والتجهم ، قبولهم كما هم دون بحث عن نموذج لا يوجد إلا في أذهاننا لا يعلمون عنه شيئاً ، نتقبلهم دون مقارنة مع أحد سواء قريب أو صاحب .


ـ بعض الشباب يعانون من عدم انسجام مع واقعهم اليوم ، وفقدان الثقة بالنفس والتي تظهر في محاولتهم إثبات الذات والوجود بالقدرة على فعل الغريب و الخروج على ما ألفه المجتمع ، يمضي الشاب زمناً من عمره منفقاً مستهلكاً متكأً على أبويه ومجتمعه ،امتلأت رؤوسهم بمعلومات لا يستخدمون منها إلا اليسير، يبقون  منتظرين  لوظيفة  ربما وجدوها أو لا ، وإن وجدوها ما أحسنوا القيام بحقها لأن ما درسوه في وادٍ والواقع العملي وادٍ آخر. شُغلت أوقاتهم بالضار لا بالنافع واتبعوا الشهوات لتعويض جوع وحاجات عاطفية فشلت الأسر في توفيرها. يغالبنا عليهم طبيعة العصر بكثرة المغريات والوسائل الخداعات ،


التي تنمي مشكلة التمرد وتغذيها من قنوات فضائية كثر فيها الغث وشبكات الكترونية ووسائل اتصال وتكنولوجيا حديثة قربت البعيد ويسرت الوصول إليه.


ـ أين الداء ؟


جزأنّا التربية فظنناها تربية دينية وأخلاقية و سلوكية فقط و أهملنا وغفلنا عن التربية العقلية  الفكرية والنفسية والاجتماعية .

والسؤال : ما المطلوب من الأسرة ؟


أيها الوالدان يا من تحرصان على تقديم وتوفير الاحتياجات المادية لأبنائكم  :

هلاّ قدمنا لهم "الحياة " الحياة الطيبة التي أرادها الله عز وجل :


(من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه  حياة طيبة  ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) النحل /97

إن من أوجب الواجبات العمل على تنشئة الأبناء ورعايتهم ، يقول علماء الشريعة عن التربية : أنها فرض عين  لا فرض كفاية .


ـ التربية :إعداد حسن متقن وتهيئة شاملة ووصية الله لك ( يوصيكم الله في أولادكم ) وإن كانت الآية في الميراث إلا أن معناها عام في شأن الأولاد.


التربية عملية مستمرة وليست هي التوجيه العابر ولا الانتقاد الدائم ولا سوء الظن والاتهام  ولا المنّ والعقاب والعنف .


وإن كان التمرد أمراً طبيعياً  في الأطفال فلا بد من ملاحظته في المراحل الأولى من العمر  والتنبه له ، ولو اعتدنا تحميلهم مسؤولية تصرفاتهم الخاطئة التي تصدر عنهم لما استهانوا وتساهلوا حتى وصل بهم الحال إلى الاستهانة بالدماء والأنفس والأعراض وحقوق الناس.


فنحن نجني اليوم نتائج إهمال لم نقصده أدى لأن يكون بعضاً من شبابنا " أرضاً خصبة " تزرع فيها الجماعات الفاسدة والفئات الضالة فكراً أشدُ تمرداً و أقسى عاقبةً على الوطن والمجتمع والأسرة.

 

ـ حتى بعض المدارس أصبحت طرفاً في المشكلة لا عنصراً مساعداً لحلها، فطرق التعامل  في المدارس لها دور خطير في إيجاد نوازع التمرد ، نحن أمة وسط في كل شؤونها " فأين الوسطية مما نتعامل به مع شباب الأمة "


ـ وليست المحاضرات والندوات والدروس وحدها هي التي ستعيد توجيه فكرٍ تنكب الجادة وتفرقت به السبل أو تبنى بعض الفكر الغربي أو الفكر الحداثي الجديد على غير وعي . كما أن غياب النموذج الصالح والقدوة أو تغييبهما  أو استبدالهما بنموذج سيئ ـ ليس لشيئ سوى لكونه مشهور أو محط الأنظارـ كان له أخطر الأثر.

ونضيف لذلك غياب دور المشرف أو الاخصائي الاجتماعي والذي انحصر في أفضل صوره بالوعظ وإلقاء النصائح  والتعليمات .

ختاماً :

على الأسرة في المقام الأول أن تقوم بدورها في التربية والتنشئة وأن تسود فيها روح المودة وثقافة الشورى والمصارحة والرفق في محله والحسم في موضعه وتغليب العقل والحكمة ومراعاة الفروق بين أفرادها وتعويدهم على احترام الآخر ووجهة النظر المخالفة و تأدبهم بأدب الاختلاف ، وغرس الوسطية والاعتدال والانتماء لدينهم ومجتمعهم ووطنهم فمتى تشرب الشباب هذه القيم خرجوا لمجتمعهم أسوياء صالحين ، نافعين لا ضارين ، يأمنهم المجتمع ويأمنوه ويحبهم ويحبوه بإذن الله .

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها *** إن السفينة لا تجري على يبس


المحاضرة جامعة حائل

 مزنة ظاهر الشمري


جميع الحقوق محفوظة © جامعة حائل