تسجيل الدخول
النسخة القديمة
مقال د عبد العزيز الغسلان

بسم الله الرحمن الرحيم


(بعض الطرق لتحصين المسلم من الانحراف الفكري ومعالجته)


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد الأمين وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان.. أما بعد:


فإن نعمة الهداية للإسلام والسنة أعظم نعمة، فمن وفق لها فعليه أن يحافظ عليها بالبعد عن كل ما يشوبها. وبالشكر تدوم النعم وتزداد.


وإن مما يهم التأصيل له والتذكير به - في هذا الوقت خصوصا- كيفية النجاة من الفكر المنحرف وكيفية معالجته؛ لأن الواجب على المسلم أن يحصن نفسه من فتنة الشبهات، حتى يسلم له دينه وعقيدته فيعيش سعيدا مطمئنا بعيدا عن الحيرة والتخبط .


وهذا التحصين والمعالجة يكون بالاعتصام بالكتاب والسنة، لقوله تعالى: ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا )، وقال رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال: (‏ ‏تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة نبيه) أخرجه مالك في الموطأ وغيره.


ومن أعظم الأسباب المعينة على التحصين والمعالجة في هذا المجال: الحرص على طلب العلم الشرعي والتأصل فيه على يد العلماء الربانيين الذي مشوا على طريقة علماء أهل السنة والجماعة قديما وحديثا، والذي يقوم على الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة بفهم السلف خير القرون. فإن هذا من أعظم الأسباب المعينة في التحصين من الانحراف بكل أشكاله، ففي العلم الشرعي نور وهداية وبرهان ووقاية. لذلك وضح الرسول صلى الله عليه وسلم خطر الجهل وهو ضد العلم  فقال: ) إن بين يدي الساعة لأياما ينزل فيها الجهل ويرفع فيها العلم , ويكثر فيها الهرج والهرج القتل) متفق عليه.


وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا ) أخرجه البخاري.


فانظر ما للجهل من أثر كبير في الضلال وانتشار القتل وغيره من الفتن. فعلم من هذا أهمية طلب العلم الشرعي، وأثره الكبير في التحصين والمعالجة من الانحراف الفكري.


ومن الأمور المهمة في جانب التحصين والمعالجة في هذا المجال: البعد عن مواطن فتن الشبهات التي تثير الشبه المضلة عن الصراط المستقيم من مواقع تواصل اجتماعي، أو معرفات مجهولة، أو مواقع إلكترونية أو قنوات فضائية أو مؤلفات وكتب ومقالات، أو غيرها من وسائل الحصول على المعلومات، فإن هذا من أعظم الأسباب في حفظ الإنسان من الوقوع في فتن الشبهات.


والدليل على ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}, يقول الشيخ عبدالرحمن السعدي -رحمه الله - في تفسير هذه الآية: "أمر الله رسوله أصلا وأمته تبعا، إذا رأوا من يخوض بآيات الله بشيء مما ذكر، بالإعراض عنهم، وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل، والاستمرار على ذلك، حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره، فإذا كان في كلام غيره، زال النهي المذكور.) ا.ه فهذه الآية تدل على أنه يجب اجتناب كل مجلس يقع فيه خوض في آيات الله ومن ذلك البدع والضلالات , ويدخل في حكم المجلس المصادر المتعددة للوصول للمعلومات من الوسائل الحديثة للتواصل والاتصال.


ومما يدل على وجوب الابتعاد عن مصادر فتن الشبهات: قوله صلى الله عليه وسلم: "من سمع بالدجال فلْينأ عنه, فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يزال به حتى يتبعه مما يبعث معه من الشبهات" (رواه:أحمد وأبو داود)  فهذا يدل على أنه يجب على المسلم أن يبتعد عن كل ما يدخل عليه الفتنة في دينه ,ومن ذلك هذه المصادر الحديثة للمعلومات من رسائل جوال أو بريد الكتروني  أو تويتر أو مواقع الكترونية أو قنوات  أو غيرها.


فعلى المسلم أن يحصن نفسه وأسرته من زوجة وأبناء وبنات، بالبعد عن مصادر فتن الشبهات، مع الاستعانة بالله جل وعلا والدعاء، وبذله لغيرها من أسباب السلامة من الفتن.


وإنما نبهت على هذا السبب، لأن كثيرا ممن ضل وانحرف كان بسبب تساهله فيه، فصار يدخل لهذه المواقع، أو يتابع تلك التغريدات، أو تلك المقالات، أو المقاطع الصوتية أو المرئية، فدخلت عليه الشبهات فضل في دينه، لأنه حام حول الحمى فوقع فيه  بسبب فعله وتساهله.


هذه بعض النقاط المهمة في هذا المجال، والحديث في هذا يطول.


وفي الختام: أسأل الله تعالى بمنه وكرمه  أن يرزقنا الاستقامة على دينه، وأن يجعلنا ممن هدي للصراط المستقيم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وأن يحفظ المسلمين من الانحراف في دينهم، وأن يرزقهم الوسطية والاعتدال، وأن يكفيهم شر الغلو والتطرف، وأن يهدي ضالهم ويرده للحق ردا جميلا.. إن ربي سميع الدعاء. آمين آمين آمين.

 

 

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..


د. عبدالعزيز بن سليمان بن علي الغسلان

عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة حائل


جميع الحقوق محفوظة © جامعة حائل